سيد محمد طنطاوي
233
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال صاحب الكشاف : « بعل - بكسر العين - أي : دهش وفزع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم من شدّة شكيمتهم في الكفر ، فقيل له : « ادع اللَّه بأسمائه الحسنى ، وقل : أنت وحدك تقدر على الحكم بيني وبينهم ، ولا حيلة لغيرك فيهم » . وفيه وصف لحالهم ، وإعذار لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وتسلية له ، ووعيد لهم . . « 1 » . وبعد هذه التسلية من اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم بين - سبحانه - لهؤلاء الذين إذا ذكر اللَّه وحده اشمأزت قلوبهم . . بين لهم ما لهم من سوء المصير فقال : * ( ولَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَه مَعَه ، لَافْتَدَوْا بِه مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . ) * . أي : أن العذاب المعد لهؤلاء المشركين شيء رهيب ، ولو أن لهم جميع ما أعد في الأرض من خيرات ، ولهم - أيضا - مثل ذلك منضما إليه ، لقدموه فداء لأنفسهم ، أملا في النجاة من سوء العذاب الذي ينتظرهم يوم القيامة . فالآية الكريمة وعيد لهم ليس بعده وعيد ، وتيئيس لهم من النجاة ليس بعده تيئيس . ومن الآيات الكثيرة التي وردت في هذا المعنى قوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ومِثْلَه مَعَه لِيَفْتَدُوا بِه مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ، ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها ، ولَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ « 2 » . ثم هددهم - سبحانه - بتهديد آخر فقال : * ( وبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّه ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) * . أي : وظهر لهم يوم القيامة من ألوان العقوبات ، ومن فنون الآلام ، ما لم يكونوا في الدنيا يظنون أنه سيقع بهم ، وما لم يكن واردا في حسبانهم . قال صاحب الكشاف : وقوله - تعالى - * ( وبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّه . . ) * وعيد لهم بعذاب ما دروا كنهه لفظاعته وشدته ، وهو نظير قوله - تعالى - في الوعد : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ . . . والمعنى : وظهر من سخط اللَّه وعذابه ، ما لم يكن قط في حسابهم ، وما لم يحدثوا به أنفسهم . وقيل : عملوا أعمالا حسبوها حسنات ، فإذا هي سيئات . وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال : ويل لأهل الرياء . ويل لأهل الرياء .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 132 . ( 2 ) سورة المائدة الآيتان 36 ، 37 .